ثم يقول سبحانه: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً) ، إن عفو الله منوط بالتوبة، الطائفة التي يعفو الله عنها هي التائبة، فالتوبة تجبُّ ما قبلها، وقد كان في هؤلاء الذين خاضوا ولعبوا وتعابثوا، من تاب وأناب.
وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسيره نقلًا عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس: وكان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أن أُعنى بها (أي لأنه كان ممن خاضوا بها) تقشعر منها الجلود، وتوجل منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لَا يقول أحد أنا غَسَّلتُ، أنا كَفَّنت، أنا دفنت.
فأصيب يوم اليمامة، فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره.
هؤلاء هم الذين عفا الله عنهم، وهذا أحدهم لقد تاب فعفا الله عنه وصار من الشهداء الصديقين، وأسند سبحانه العفو والعذاب إليه سبحانه تعظيما لمقام العفو، وتهديدًا بأهل العذاب، ولقد بين سبحانه العذاب، بقوله تعالى: (بِأَنَّهُم كانُوا مُجْرِمِينَ) الإجرام الذنب الكبير الذي يكون له جِرم، وتفعله الجوارح، وتكتسبه النفس، وقد أشار سبحانه إلى أنهم مستمرون على إجرامهم ولم يتوبوا، ولذلك يتأكد إجرامهم واستمرارهم عليه، وعدم انخلاعهم منه، فقد أكد الإجرام بالجملة الاسمية، و (أن) الدالة على تأكيد ما بعدها، و (كان) التي تؤكد القول، وتدل على استمراره. انتهى انتهى {زهرة التفاسير} ...