بين الله سبحانه وتعالى خطر استهزائهم بالخوض في الكلام العابث، واللعب الجاحد، بين لهم أن ذلك يتضمن الاستهزاء بالله خالق كل شيء، والآيات التي ترشد العقلاء إلى الحق، والرسول الصادق الأمين الذي قامت الأدلة من القرآن ومن شخصه على الرسالة، فكفروا بالله وكذبوا الآيات.
وتقديم (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسولِهِ) على الفعل يستهزئون فيه إشارة إلى تخصيص هؤلاء بالاستهزاء، فأي ضلال أشد من هذا، وأي كفر وجحود أشد.
والاستفهام هنا للاستنكار، إنكار الواقع أي التوبيخ على ما فعلوا.
ولهذا الفجور الذي يبدر من ألسنتهم ويدل على قلوبهم، قال الله تعالى:
(لَا تَعْتَذِرُوا) ؛ لأن كل اعتذار يلقون فيه أنفسهم بهاوية من الكفر أشد مما هم فيه، فقال تعالى:
(لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ...(66)
والنهي هنا على حقيقته، فالله تعالى ينهاهم عن الاعتذار؛ لأن الاعتذار يؤدي إلى أن يقعوا في ذنب أشد مما يعتذرون عنه لحميتهم، وجهالتهم بسبب النفاق الذي أركس نفوسهم في الشر، أو نقول النهي للتهكم باعتذارهم الذي يجعلهم يعترفون بأفحش ذنوبهم.
والاعتذار محو أثر الذنب، وأصله القطع، واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة، فهم يحاولون إزالة ما أوجده كلامهم من بهفر، فيزيدون الذنوب.
والاستهزاء استخفاف، فإذا كان بالله وآياته ورسوله فهو كفر، ولذا قال تعالى في اعتذارهم وإقرارهم بالاستهزاء (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) وقد أكد الله تعالى كفرهم بـ (قَدْ) الدالة على التحقيق فأكد الله تعالى كفرهم، وقوله تعالى:
(بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) والنفاق ليس فيه إيمان، والمنافق ليس بمؤمن، ولكنه يظهر الإيمان، ويكون بعد إيمانكم أي بعد إظهار إيمانكم، فكشفتم كفركم بعد ستره، فافتضح أمركم بعد أن سترتموه، أو نقول: إنه كان فيهبم ضعفاء الإيمان، فكان اشتراكهم معهم في الاستهزاء والسخرية بالله تعالى وآياته ورسوله كفرا لهم بعد إيمان كان فيهم، وإن كان ناقصا، وإني أختار هذا، والله تعالى أعلم.