ويقوي هذا الوجه أن أبا زيد قال: رجل أُذُنٌ، ويَقَنٌ: إذا كان يصدق بكل ما يسمع، فكما أن يَقَنٌ صفة كبطل، كذلك أُذُن كأنُف.
وقوله تعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} أي مستمع خير وصلاح ومصغ إليه، لا مستمع شر وفساد، وروى الأعشى والبرجمي: (أذنٌ خيرٌ) على وصف الأذن بـ (خير) ومعناه: أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم، و {خَيْرٍ} في القراءة الأولى بمعنى صلاح، وفي الثانية بمعنى أصلح، قال أبو إسحاق: (من قرأ(أذنٌ خيرٌ) بالتنوين، فالمعنى: قل من يسمع منكم، ويكون قريبًا منكم، قابلًا للعذر، خير لكم.
والقراءة هي الأولى؛ لأن ما بعده يؤكده، وهو قوله: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي يسمع ما ينزله الله جل وعز عليه فيصدق به ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به، فهو أذن خير، لا أذن شر، وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} (يريد: يسمع كلام جبريل فينهاكم عن معاصي الله، ويأمركم بطاعته، ولتطرحوا عنكم ما علم الله في قلوبكم من النفاق) ، وقال الفراء في قوله: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} : أي يصدق بالله، و {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} ويصدق المؤمنين أراد: لكنه لا يصدقكم إنما يصدق المؤمنين، قال: وهو كقوله: {لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] أي يرهبون ربهم.
ويقال: آمن به وآمنه وآمن له، أي: صدقه، وقال أبو علي: اللام في {لِلْمُؤْمِنِينَ} على حدها في قوله {رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72] أو على المعنى؛ لأن معنى يؤمن: يصدق، فعدى باللام كما عدي مصدق به في نحو: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} [المائدة: 46] .
قال المفسرون: وهذا تكذيب من الله للمنافقين، كأنه قال: إن محمدًا يصدق الله ويصدق المؤمنين، قال: وهو كقوله: {لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] .