وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، أَيْ: مُحِيطٌ عِلْمًا بِذَوَاتِهِمْ وَسَرَائِرِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ ، وَبِمَا هُمْ مُسْتَعِدُّونَ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مِمَّا وَقَعَ ، وَمِمَّا لَمْ يَقَعْ وَلَا يَقَعُ ، كَكَوْنِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ لَا يَزِيدُونَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيهِمْ إِلَّا خَبَالًا إِلَخْ . فَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي حُلَفَاءِ الْيَهُودِ مِنْهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُغْرُونَهُمْ بِعَدَاوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُغْرُونَهُمْ بِمَا يَعِدُونَهُمْ بِهِ مِنْ نَصْرِهِمْ عَلَيْهِ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ وَكَذَّبَهُمْ فِيهِ بِقَوْلِهِ: لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (59: 12) فَأَحْكَامُهُ تَعَالَى فِيهِمْ عَلَى عِلْمٍ تَامٍّ ، لَيْسَ فِيهَا ظَنٌّ ، وَلَا اجْتِهَادٌ كَاجْتِهَادِ الرَّسُولِ فِي الْإِذْنِ لَهُمْ ، الَّذِي تُثْبِتُ هَذِهِ الْآيَةُ نَفْسُهَا أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ أَنَّ خُرُوجَهُمْ شَرٌّ لَا خَيْرٌ ، وَضَعْفٌ لَا قُوَّةٌ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إِذَا لَمْ يَأْذَنُ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ وَمَنْ أَعْلَمَهُ اللهُ ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ تَعَالَى بِذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ .