هَاتَانِ الْآيَتَانِ فِي بَيَانِ حَالِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ مَا كَانَتْ تَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ خَرَجُوا ، وَالتَّذْكِيرُ بِمَا كَانَ مِنْ أَحْوَالِهِمُ السَّابِقَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا هَذَا الْتِفَاتٌ عَنْ خِطَابِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرِهِمْ إِلَى خِطَابِ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ ، يَقُولُ: لَوْ خَرَجَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الْمُسْتَأْذِنُونَ فِي الْقُعُودِ فِي جَمَاعَتِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مَا زَادُوكُمْ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا خَبَالًا ، أَيْ: اضْطِرَابًا فِي الرَّأْيِ ، وَفَسَادًا فِي الْعَمَلِ ، وَضَعْفًا فِي الْقِتَالِ ، وَخَلَلًا فِي النِّظَامِ ؛ فَإِنَّ الْخَبَالَ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ الْفَسَادُ الَّذِي يَلْحَقُ الْحَيَوَانَ فَيُورِثُهُ اضْطِرَابًا كَالْجُنُونِ ، وَالْمَرَضِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْعَقْلِ وَالْفِكْرِ . وَالْمُرَادُ: مَا زَادُوكُمْ قُوَّةً وَمَنَعَةً وَإِقْدَامًا ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْقُوَّةِ الْعَدَدِيَّةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْمَصْلَحَةِ ، بَلْ ضَعْفًا وَفَشَلًا وَمَفْسَدَةً ، كَمَا حَصَلَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ ؛ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ وَلَّوُا الْأَدْبَارَ فِي أَوَّلِ الْمَعْرَكَةِ ، وَتَبِعَهُمْ ضُعَفَاءُ الْإِيمَانِ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ طُلَقَاءِ فَتْحِ مَكَّةَ ، فَاضْطَرَبَ لِذَلِكَ الْجَيْشُ كُلُّهُ ، وَفَسَدَ نِظَامُهُ ، فَوَلَّى أَكْثَرُ الْمُؤْمِنِينَ مَعَهُمْ بِلَا رَوِيَّةٍ وَلَا تَدَبُّرٍ ، كَمَا هُوَ شَأْنُ جَمَاعَاتِ الْبَشَرِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ .