وكانت، تلك الرؤيا بشارة له وللمؤمنين بالغلبة. قال أهل المعاني: وإنما جاز أن يريه الله الشيء في النوم على خلاف ما هو لأن الرؤيا تخيّل للمعنى من غير قطع عليه، وإن جاء معه قطع من الإنسان.
وروي عن الحسن وابن جريج أنهما ذهبا إلى أن هذه الإراءة كانت في اليقظة، وقالا: المراد بالمنام هاهنا: العين التي هي موضع النوم.
قال أبو إسحاق: وكثير من أصحاب النحو يذهبون إلى هذا المذهب، ومعناه عندهم: إذ يريكم الله في موضع منامك أي: بعينك ثم حذف الموضع وأقام المنام مقامه.
وقوله تعالى: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا} أي: لو أراك الله يا محمد القوم كثيرا في اليقظة - على قول الحسن - ، أو في المنام - على قول الباقين - فأخبرت بذلك أصحابك لجبنوا ولم يقدموا على الحرب؛ وذلك قوله: {لَفَشِلْتُمْ} ، قال أبو إسحاق: لتأخرتم عن حربهم وكِعْتم.
وقوله تعالى: {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} معنى التنازع في الأمر: الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه، وهذا ما سبق بيانه، يقول: لاضطرب أمركم، واختلفت كلمتكم، قال الكلبي: واختلفتم فيما بينكم.
وقال ابن عباس: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ} يا محمد {فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} لتحتقرهم وتجترئ عليهم {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ} ولكن هذه منتي عليك وعلى المؤمنين حيث أراكهم الله قليلًا , ولم يكن منهم فشل ولا منازعة يريد الاختلاف
وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} ، قال ابن عباس: يريد: عصمكم كأنه يريد: سلمكم من المخالفة فيما بينكم، وقال ابن عباس أيضًا: سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم.
وقال أبو روق: سلم: أتم أمرهم بالظفر على عدوهم.
وقال الكلبي: ولكن الله سلمكم من الهزيمة يوم بدر.
والأظهر أن المعنى: ولكن الله سلمكم من التنازع والفشل على ما حكينا عن ابن عباس أولاً.