قال أهل المعاني: معنى الآية: اذكروا إذ كنتم بشط الوادي الأقرب إلى المدينة وهم بالشط الأبعد منها، وهذا كان من لطيف صنع الله لهم؛ لأن الرجل كلما كان أقرب من داره كان أربط لجأشه.
وقوله تعالى: {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} ، قال ابن السكيت: الركب أصحاب الإبل، وهم العشرة فما فوقها.
ويقال: سفل يسفل سفاله وسفلًا فهو سافل، نقيض علا يعلو، قال المفسرون: يعني أبا سفيان وأصحابه وهم العير التي خرجوا ليأخذوها، كانت في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر.
قال أبو إسحاق: الوجه أن تنصب (أسفل) - وعليه القراءة - أراد: مكانًا أسفل، ويجوز الرفع على أن تريد: والركب أشد
تسفلًا، ونحو هذا قال الفراء سواء.
وقوله تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} ، قال ابن إسحاق: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ليأخذوها، وخرجت قريش تمنعه، فالتقوا ببدر ولم يشعروا، فقال الله تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} لكثرتهم وقلتكم، يعني: لو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم لتأخرتم وفنقضتم الميعاد، هذا معنى قول المفسرين.
وقيل: لو تواعدتم من غير لطف الله لكم لاختلفتم بالعوائق والقواطع.
وقوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} في الكلام حذف واختصار يدل عليه الفحوى، تقديره: ولكن جمعكم الله من غير ميعاد: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} وإن شئت أخرت المقدر فقلت: {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} جمعكم من غير ميعاد، قال ابن عباس: يريد: ليتم الله لنبيه وللمؤمنين موعده؛ ليقر عين نبيه وأعين المؤمنين، وقال أهل المعاني: ليفصل الله أمرًا كان مفعولًا في علمه وحكمه من عز الإِسلام وعلو أهله على عبدة الأوثان بتدبيره ولطفه.