وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي مِنْهُ الْمُسْتَحِقِّينَ وَلَمْ يَكُنْ يُقَسِّمُهُ أَخْمَاسًا وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: {إنَّ الْقِسْمَةَ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ عَلَى سِتَّةٍ وَإِنَّ سَهْمَ اللَّهِ كَانَ مَصْرُوفًا إلَى الْكَعْبَةِ} فَلَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُتَوَاتِرًا وَلَكَانَتْ الْخُلَفَاءُ بَعْدَ النَّبِيِّ أَوْلَى النَّاسِ بِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْهُمْ عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ.
وَأَيْضًا
فَإِنَّ سَهْمَ الْكَعْبَةِ لَيْسَ بِأَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ سَائِرِ السِّهَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ إذْ كُلُّهَا مَصْرُوفٌ فِي وُجُوهِ الْقُرَبِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِسَهْمِ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مِفْتَاحًا لِلْكَلَامِ عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَعَلَى وَجْهِ تَعْلِيمِنَا التَّبَرُّكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَافْتِتَاحَ الْأُمُورِ بِاسْمِهِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْخُمُسَ مَصْرُوفٌ فِي وُجُوهِ الْقُرَبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الْوُجُوهَ فَقَالَ: {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} الْآيَةَ، فَأَجْمَلَ بَدِيًّا حُكْمَ الْخُمُسِ ثُمَّ فَسَّرَ الْوُجُوهَ الَّتِي أَجْمَلَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ أَرَادَ مَا قُلْت لَقَالَ: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ لِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى، وَلَمْ يَكُنْ يُدْخِلُ الْوَاوَ بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ.