وقال بعضهم: نعمة الله علينا فيما طواه عنا أعظم من نعمته علينا في ما بسطه لنا.
وقال محمود الوراق:
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى لو صحّ منك النّظر
أنك تعصي لتنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
وقال عبدان:
تبيّن فضل الفقر عندي على الغنى ... بواحدة فيها عزاء لذي حجر
متى متّ لم آسف على فقد نعمة ... يودّ الفتى من أجلها المدّ في العمر
صنوف الفقر وما يحمد منه:
قيل: الفقر على ثلاثة أقسام، فقر الخلق إلى الله وعدم الأملاك لعرض الدنيا والحرص وهو فقر الناس إلى الناس، وهو الذي استعاذ منه النبي صلّى الله عليه وسلم، والمشار إلى فضله ما حكي عن الجنيد أنه قيل له: متى يكون الفقير مستوجبا لدخول الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام؟ فقال: إذا كان موافقا لله تعالى، يعد فقره نعمة يخاف على زوالها مخافة الغني على زوال نعمته وغناه، مستغنيا بربّه، كما قال تعالى (للفقراء الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)
الآية.
نفي العار بالفقر
كان النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين. وكان صلّى الله عليه وسلم يستنصر بصعاليك المهاجرين.
وقال صلّى الله عليه وسلم: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء.
وقال العطوي:
ما الفقر عار إنّما العار الثرا والبخل
وقال رجل من بني قريع:
وكائن رأينا من غني مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد
وقال أبو تمّام:
لا يحسب الإقلال عدما بل يرى ... أن المقلّ من المروءة معدم
طيب عيش مؤثر الفقر وعزّته وفضله
كان سقراط فقيرا، فقال له بعض الملوك: ما أفقرك؟ فقال: لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجع لنفسك عن التوجّع لي، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة.
وقيل له: لم لا يرى أثر الحزن عليك؟ فقال: لأني لم أتخذ ما إن فقدته أحزنني.
وقال بعض الحكماء: من أحبّ أن تقلّ مصائبه فليقل قنيته للخارجات من يده، لأن أسباب الهمّ فوت المطلوب وفقد المحبوب، ولا يسلم منهما إنسان، لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد.
وبهذا ألمّ ابن الرومي، فقال: