23 - {وَلَوْ عَلِمَ} اللَّهُ سبحانه وتعالى {فِيهِمْ} ؛ أي: في هؤلاء الصم البكم {خَيْرًا} ؛ أي: سعادة {لَأَسْمَعَهُمْ} سماعا ينتفعون به ويتعقلون عنده الحجج والبراهين، والمعنى: ولو علم الله فيهم خيرا أي استعدادا للإيمان، والهداية بنور النبوة، ولم يفسد قبس الفطرة سوء القدوة، وفساد التربية ... لأسمعهم بتوفيقه الكتاب والحكمة سماع تدبر وتفهم، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، فهم ممن ختم الله على قلوبهم، وأحاطت بهم خطاياهم.
قال الزجاج: {لَأَسْمَعَهُمْ} جواب كل ما سألوا عنه، وقيل: {لَأَسْمَعَهُمْ} كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم؛ لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب، وغيره، ليشهدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلّم {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} الله سبحانه وتعالى الحجج والبراهين سماع تفهم، وقد علم أنه لا خير فيهم {لَتَوَلَّوْا} عن قبولها وأعرضوا عن إذعانها. {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} عنها قبل ذلك؛ أي: لتولوا عن القبول، والإذعان، والحال أنهم معرضون من قبل ذلك بقلوبهم عن قبوله والعمل به، كراهية وعنادا للداعي إليه، ولأهله، فقد فقدوا الاستعداد لقبول الحق، والخير، فقدا تاما لا فقدا عارضا موقوتا.
واعلم: أن للسماع درجات باعتبار ما يطالب الله به من الاهتداء بكتابه:
1 -أن يتعمد من يتلى عليه أن لا يسمعه مبارزة له بالعدوان بادئ ذي بدء خوفا من سلطانه على القلوب أن يغلبهم.
2 -أن يستمع، وهو لا ينوي أن يفهم ويتدبر، كالمنافقين الذين قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا} .
3 -أن يستمع لأجل التماس شبهة للطعن والاعتراض، كما كان يفعل المعاندون من المشركين وأهل الكتاب، وقت التنزيل وفي كل حين إذا استمعوا إلى القرآن أو نظروا فيه.