ولم يقل القرآن الكريم: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلا ؛ لأن هذا القول لا يعبر بدقة عن موقف الاقتتال لأنهم كطائفتين ، إن انتهوا فيما بينهم إلى القتال . فساعة القتال لا يتحيز كل فرد لفرد ليقاتله ، وإنما كل فرد يقاتل في كل أفراد الطائفة الأخرى ، وهكذا يكون القتال بين جمع كبير من أفراد الطائفتين .
وبعد ذلك يواصل الحق تبارك وتعالى تصوير الموقف من الاقتتال بدقة فيقول سبحانه: {فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] .
وهنا يقول سبحانه وتعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} ، ولم يقل: أصلحوا بينهم . وهكذا عدل عن الجمع الذي جاء في الاقتتال إلى المثنى ؛ لأننا في الصلح إنما نصلح بين فئتين متحاربتين ، ونحن لا نأتي بكل فرد من الطائفة لنصلحه مع أفراد الطائفة الأخرى . ويمثل كل طائفة رؤساؤها أو وفد منها ، وهكذا استخدم الحق المثنى في مجاله ، واستخدم الجمع في مجاله ، وسبحانه وتعالى منزه عن الخطأ .
وهنا في الآية التي ما زلنا بصدد خواطرنا عنها وفيها يقول المولى سبحانه وتعالى:
{يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] .
وفي أولها نداء من الله للمؤمنين ، والنداء يقتضي أولاً أن يكون المنادى حيّاً ؛ لأنه سبحانه وتعالى القائل: {وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء وَلاَ الأموات إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور} [فاطر: 22] .
إذن: كيف يقول سبحانه لمن يخاطبهم وهم أحياء: {دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؟ .