الثاني: أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم: كما يقال: الأمن منيم، والخوف مسهر».
وقال ابن كثير: وجاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق، وهما يدعوان، أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة من النوم. ثم استيقظ متبسما، فقال: «أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع» . ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله - تعالى - سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ.
والمعنى: واذكروا - أيها المؤمنون - أيضا، وقت أن كنتم متعبين وقلقين على مصيركم في هذه المعركة، فألقى الله عليكم النعاس، وغشاكم به قبل التحامكم بأعدائكم، ليكون أمانا لقلوبكم، وراحة لأبدانكم، وبشارة خير لكم.
هذا، ومن العلماء الذين تكلموا عن نعمة النعاس التي ساقها الله للمؤمنين قبل المعركة، الإمامان الرازي ومحمد عبده.
أما الامام الرازي فقد قال ما ملخصه: واعلم أن كل نوم ونعاس لا يحصل إلا من قبل الله - تعالى - فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله لا بد فيه من مزيد فائدة، وذكروا في ذلك وجوها: منها: أن الخانف إذا خاف من عدوه فإنه لا يأخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا.
فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد، يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن.
ومنها: أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن معه العدو من معافصتهم، بل كان ذلك نعاسا يزول معه الإعياء والكلال، ولو قصدهم العدو في هذه الحالة لعرفوا وصوله، ولقدروا على دفعه.
ومنها: أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة. فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز.