{أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} أي: جماعة أخرى من المسلمين ، سوى التي هو فيها ، سواء قربت تلك الفئة أو بعدت وقد روي أن أبا عبيد قتل على الجسر بأرض فارس ، لكثرة الجيش من ناحية المجوس ، فقال عمر رضي الله عنه: لو تحيز إلي لكنت له فئة .
وفي رواية عنه: أيها الناس ! أنا فئتكم .
وقال الضحاك: المتحيز إلى فئة ، الفارّ إلى النبي وأصحابه .
وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه ، وجنح إلى هذا ابن كثير حيث قال:
من فر من سرية إلى أميره ، أو إلى الإمام الأعظم ، دخل في هذه الرخصة .
ثم أورد حديث عبد الله بن عُمَر المروي عند الإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم ، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحاص الناس حيصة ، فكنت فيمن حاص ، فقلنا: كيف نصنع ، وقد فررنا من الزحف ، وبؤنا بالغضب ، ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا ! ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كانت لنا توبة ، وإلا ذهبنا ! فأتيناه قبل صلاة الغداة ، فخرج فقال: ( من القوم ) ؟ فقلنا: نحن الفرارون . فقال:
( لا ، بل أنتم العكّارون ، أنا فئتكم وفئة المسلمين ) ، قال: فأتيناه حتى قبلنا يده .
قال الترمذي: حديث حسن ، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد . انتهى .
أي: وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة .
قال الحاكم في مسألة الفرار: إن ذلك يرجع إلى ظن المقاتل واجتهاده ، فإن ظن المقاومة لم يحل الفرار ، وإن ظن الهلاك جاز الفرار
إلى فئة وإن بعدت ، وإذا لم يقصد الإقلاع عن الجهات . وحمل عليه حديث ابن عمر المذكور .
وعن الكرخي: أن الثبات والمصابرة واجب ، إذا لم يخش الإستئصال ، وعرف عدم نكايته للكفار ، والتجأ إلى مصرٍ للمسلمين ، أو جيش ، وهكذا أطلق في
"شرح الإبانة"فلم يبح الفرار إلا بهذا الشروط الثلاثة ، ولم يعتبر العدد الآتي بيانه .