وبما روى أنه انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا فئتك ، وبعضهم يحمل قوله عليه الصلاة والسلام:"أنتم العكارون"على تسليتهم وتطييب قلوبهم ، وحمل الكلام كله في الخبرين على ذلك بعيد.
نعم إن ظاهرهما يستدعي أن لا يكاد يوجد فار من الزحف ، ووزن متحيز متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوز لأنه من حاز يحوز وإلى هذا ذهب الزمخشري ومن تبعه ، وتعقب بأن الإمام المرزوقي ذكر أن تدير تفعل مع أنه واوي نظر إلى شيوع ديار ، وعليه فيجوز أن يكون تحيز تفعل نظراً إلى شيوخ الحيز بالياء ، فلهذا لم يجئ تدور وتحوز ، وذكر ابن جني أن ما قاله هذا الإمام هو الحق وأنهم قد يعدون المنقلبون كالأصلي ويجرون عليه أحكامه كثيراً ، لكن في دعواه نفي تحوز نظر ، فإن أهل اللغة قالوا: تحوز وتحيز كما يدل عليه ما في القاموس ، وقال ابن قتيبة: تحوز تفعل وتحيز تفيعل ، وهذه المادة في كلامهم تتضمن العدول من جهة إلى أخرى من الحيز بفتح الحاء وتشديد الياء ، وقد وهم فيه من وهم ، وهو فناء الدار ومرافقها ، ثم قيل لكل ناحية فالمستقر في موضعه كالجبل لا يقال له متحيز وقد يطلق عندهم على ما يحيط به حيز موجود ، والمتكلمون يريدون به الأعم وهو كل ما أشير إليه فالعالم كله متحيز ونصب الوصفين على الحالية وإلا ليست عاملة ولا واسطة في العمل وهو معنى قولهم: لغو وكانت كذلك لأنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ولولا التفريغ لكانت عاملة أو واسطة في العمل على الخلاف المشهور وشرط الاستثناء المفرغ أن يكون في النفي أو صحة عموم المستثنى منه نحو قرأت إلا يوم كذا ومنه ما نحن فيه ويصح أن يكون من الأول باعتبار أن يولي بمعنى لا يقبل على القتال ، ونظير ذلك ما قالوا في قوله عليه الصلاة والسلام
"العالم هلكى إلا العالمون"الحديث.