وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِفَتْحِ الدَّالِ أَوْ بِكَسْرِهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِالْكَسْرِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ جَاءَتْ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: أَرْدَفْتُهُ، وَقَالُوا: الْعَرَبُ تَقُولُ: أَرْدَفْتُهُ وَرَدِفْتُهُ، بِمَعْنَى: تَبِعْتُهُ وَأَتْبَعْتُهُ. وَاسْتُشْهِدَ لِصِحَّةِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
إِذَا الْجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا
قَالُوا: فَقَالَ الشَّاعِرُ: «أَرْدَفَتِ» ، وَإِنَّمَا أَرَادَ «رَدِفَتْ» جَاءَتْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْجَوْزَاءَ تَجِئُ بَعْدَ الثُّرَيَّا. وَقَالُوا مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ {مُرْدِفِينَ} أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِمْ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ: بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُرْدِفُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا كُسِرَتِ الدَّالُ: أَرْدَفَتِ الْمَلَائِكَةُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِذَا قُرِئَ بِفَتْحِهَا: أَرْدَفَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} بِكَسْرِ الدَّالِ؛ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ: يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمُتَتَابِعِينَ. فَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا اخْتَرْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَسْرِ الدَّالِ، بِمَعْنَى: أَرْدَفَ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ بَعْضًا، وَمَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ: جِئْتُ مُرْدِفًا لِفُلَانٍ: أَيْ: جِئْتُ بَعْدَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ (مُرْدَفِينَ) بِفَتْحِ الدَّالِ: أَنَّ اللَّهَ أَرْدَفَ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ، فقولٌ لَا مَعْنَى لَهُ إِذِ الذِّكْرُ الَّذِي فِي مُرْدِفِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ.