ومعنى الخوف في الآية قال بعضهم: الجزم واليقين فإنه كان جازماً بنزول العذاب بهم عاجلاً وآجلاً. وقال آخرون: الشك لأنه كان يجوّز إيمانهم ومع هذا التجويز كيف يجزم بالعذاب ، أو لعل السمع لم يرد بعد فلهذا كان متوقفاً ، أو لعله وصف العذاب بالعظم ولكنه جر على الجوار. ثم إنه تردد في وصف العذاب بالعظم لا في نفس العذاب. وقيل: المراد من الخوف التحذير. وجملة قوله: {إني أخاف} بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون الأصنام {فقال الملأ من قومه} أي الأشراف وصدور المجالس الذين هم بعض قومه في جواب نوح {إنا لنراك في ضلال} في ذهاب عن طريق الحق. والصواب مبين بين والرؤية رؤية القلب بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والبديهة. نسبوه إلى الضلال فيما ادعاه من التكليف والتوحيد والنبوّة والمعاد {قال يا قوم ليس بي ضلالة} لم يقل ضلال ليكون أبلغ في عموم السلب كأنه قال: ليس بي نوع من أنواع الضلال ، ثم لما نفى عن نفسه العيب الذي نسب إليه وصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها فاستدرك قائلا: {ولكني رسول من رب العالمين} وهذا الاستدراك يسمى في علم البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم. وفي ذلك بيان فرط جهالتهم وعتوّهم حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال الظاهر الذي لا ضلال بعده ، وفيه أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز. ثم ذكر ما هو المقصود من البعثة وهو أمران: الأول تبليغ الرسالة ، والثاني تقرير النصيحة فقال {أبلغكم} الآية. والجملة استئناف بيان لكونه رسولاً من رب العالمين ، أو صفة لرسول. وإنما جاز أن تكون صفة ولفظ الرسول غائب نظراً إلى المعنى كقوله: أنا الذي سمتن أمي حيدره {رسالات ربي} ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة ، أو ما أوحي إليّ في المعاني المختلفة في الأوامر والنواهي.