كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها ، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها ، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة ، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص"إنسانيته"ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم الحس وأبعد مدى!
وليس هذا كله لغير الإنسان كما تلهمه هذه القصة وبقية النصوص الأخرى..
* والحقيقة الثالثة: أن هذا الكائن - على كل تفرده هذا أو بسبب تفرده هذا - ضعيف في بعض جوانب تكوينه ، حتى ليمكن قيادته إلى الشر والارتكاس إلى الدرك الأسفل ، من خطام شهواته.. وفي أولها ضعفه تجاه حبِّ البقاء ، وضعفه تجاه حب الملك.. وهو يكون في أشد حالات ضعفه وأدناها حين يبعد عن هدى الله ، ويستسلم لهواه ، أو يستسلم لعدوه العنيد الذي أخذ على عاتقه إغواءه ، في جهد ناصب ، لا يكل ولا يدع وسيلة من الوسائل!
وقد اقتضت رحمة الله به - من ثم - ألا يتركه لفطرته وحدها ، ولا لعقله وحده ، وأن يرسل إليه الرسل للإنذار والتذكير - كما سيجيء في آية تالية في معرض التعقيب على القصة - وهذه هي صخرة النجاة بالنسبة له... النجاة من شهواته بالتخلص من هواه والفرار إلى الله. والنجاة من عدوه الذي يخنس ويتوارى عند ذكره لربه ، وتذكر رحمته وغضبه ، وثوابه وعقابه..