ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: {ربنا استمتع بعضنا ببعض} وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفرداً وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه . فيبيت آمناً في نفسه . فهذا استمتاع الإنس بالجن ، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجن ؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه . وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله سبحانه: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} [الجن: 6] وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم ، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج . والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} أي ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع . وما ذلك الإجل؟ قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول . وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة {قال} الله تعالى في جوابهم {النار مثواكم} مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثوياً إذا أقام به . قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله تعالى: {خالدين فيها} حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين . {إلا ما شاء الله} قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت