ثم ردّ الله تعالى على مجادلات المشركين في إباحة الميتات فقال: وَإِنَّ الشَّياطِينَ ... أي إن شياطين الإنس والجن ليوسوسون إلى أوليائهم وأعوانهم من المشركين ليجادلوا محمدا وصحبه في أكل الميتة، كما تقدم، وإن أطعتموهم فيما يزعمون من استحلال الميتة، إنكم لمشركون مثلهم لأنكم عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، وهذا هو الشرك كقوله تعالى:
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة 9/ 31]
(وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله، ما عبدوهم؟
فقال: «بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» .
قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحلّ شيئا مما حرم الله تعالى، أو حرم شيئا مما أحل الله تعالى، فهو مشرك لأنه أثبت مشرّعا سوى الله، وهذا هو الشرك بعينه.
وقوله: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ... على تقدير القسم، وحذف اللام الموطئة للقسم، أي ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون، فيكون جواب القسم أغنى عن جواب الشرط.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يلي:
1 -إباحة ما ذبحه المسلم وذكر اسم الله عليه.
2 -الأمر بذكر اسم الله على الشراب والذبح وكل مطعوم.
3 -إن الإيمان بأحكام الله والأخذ بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها.
4 -عدم إباحة ما لم يذكر اسم الله عليه كالميتات وما ذبح على النصب (الحجارة حول الكعبة) وغيرها.
5 -إباحة المحرّمات حال الضرورة الشرعية بقدر ما تقتضيه الضرورة.
6 -عدم الالتفات لآراء المشركين الزائفة من استحلالهم الميتات وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى.
7 -تحريم ارتكاب جميع المعاصي، سواء في السرّ أو في العلن، وسواء أفعال الجوارح كاليد والرجل، وأفعال القلوب كالحسد والحقد.
8 -الجزاء أمر محتم واقع يوم القيامة على كل معصية، والعصاة معذبون يجازيهم الله تعالى لا محالة.
9 -كل من استحل حراما أو حرم حلالا، واتبع غير أحكام الله في شرعه ودينه، فهو كافر ومشرك لأنه أشرك بالله غيره، وأثبت مشرّعا سوى الله، بل آثر حكمه على حكم الله.