الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) }
وَهَذَا الْكَلَامُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَدُلُّ عَلَى نَهْيِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِهِ يَوْمَئِذٍ عَنْ طَاعَةِ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَادَلُوهُمْ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ مِنْ جِدَالِهِمْ إِيَّاهُمْ بِهِ، وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِطَاعَةِ مُؤْمِنٍ مِنْهُمْ كَانَ كَافِرًا فَهَدَاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِرُشْدِهِ وَوَفَّقَهُ لِلْإِيمَانِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِطَاعَةُ مَنْ كَانَ مَيْتًا يَقُولُ: مَنْ كَانَ كَافِرًا. فَجَعَلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِانْصِرَافِهِ عَنْ طَاعَتِهِ، وَجَهْلِهِ بِتَوْحِيدِهِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ، وَتَرْكِهِ الْأَخْذَ بِنَصِيبِهِ مِنَ الْعَمَلِ لِلَّهِ بِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَى نَجَاتِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ بِنَافِعَةٍ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا
مِنْ مَكْرُوهِ نَازِلَةٍ، {فَأَحْيَيْنَاهُ}
يَقُولُ: فَهَدَيْنَاهُ لِلْإِسْلَامِ، فَأَنْعَشْنَاهُ، فَصَارَ يَعْرِفُ مَضَارَّ نَفْسِهِ وَمَنَافِعَهَا، وَيَعْمَلُ فِي خَلَاصِهَا مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ فِي مَعَادِهِ، فَجَعَلَ إِبْصَارَهُ الْحَقَّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَعْدَ عَمَاهُ عَنْهُ، وَمَعْرِفَتَهُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِذَلِكَ، حَيَاةً وَضِيَاءً يَسْتَضِيءُ بِهِ، فَيَمْشِي عَلَى قَصْدِ السَّبِيلِ وَمَنْهَجِ الطَّرِيقِ فِي النَّاسِ.
{كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} لَا يَدْرِي كَيْفَ يَتَوَجَّهُ وَأَيَّ طَرِيقٍ يَأْخُذُ لِشِدَّةِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وِإِضْلَالِهِ الطَّرِيقَ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْكَافِرُ الضَّالُّ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ لَا يُبْصِرُ رُشْدًا وَلَا يَعْرِفُ حَقًّا، يَعْنِي فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ. يَقُولُ: أَفَطَاعَةُ هَذَا الَّذِي هَدَيْنَاهُ لِلْحَقِّ، وَبَصَّرْنَاهُ الرَّشَادَ كَطَاعَةِ مَنْ مَثَلُهُ مَثَلُ مَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَاتِ مُتَرَدِّدٌ لَا يَعْرِفُ الْمَخْرَجَ مِنْهَا، فِي دُعَاءِ هَذَا إِلَى تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْلِيلِ مَا أَحَلَّ، وَتَحْلِيلِ هَذَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمِهِ مَا أَحَلَّ؟