وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا مَعْرُوفَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُؤْمِنٌ، وَالْآخَرُ كَافِرٌ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِمَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَاهُ اللَّهُ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَّا الَّذِي مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا: فَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمَيْتُ الَّذِي أَحْيَاهُ اللَّهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَّا الَّذِي مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا: فَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ
عَنْ قَتَادَةَ: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} :"هَذَا الْمُؤْمِنُ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَبَيِّنَةٌ يَعْمَلُ بِهَا وَيَأْخُذُ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي: كِتَابُ اللَّهِ."
{كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} : وَهَذَا مَثَلُ الْكَافِرِ فِي الضَّلَالَةِ مُتَحَيِّرٌ فِيهَا مُتَسَكِّعٌ، لَا يَجِدُ مَخْرَجًا وَلَا مَنْفَذًا.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} قَالَ:"الْإِسْلَامُ الَّذِي هَدَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ."
{كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} : لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَقَرَأَ: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} ، قَالَ: وَالنُّورُ يَسْتَضِيءُ بِهِ مَا فِي بَيْتِهِ وَيُبْصِرُهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ هَذَا النُّورَ يَسْتَضِيءُ بِهِ فِي دِينِهِ وَيَعْمَلُ بِهِ فِي نُورِهِ كَمَا يَسْتَضِيءُ صَاحِبُ هَذَا السِّرَاجِ. قَالَ: {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} لَا يَدْرِي مَا يَأْتِي، وَلَا مَا يَقَعُ عَلَيْهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}