وقال أبو بكر: (إذا كان ممن أضله الله عز وجل أبغض الحق وعانده حتى يضيق منه صدره فكأنه يكلف بالشيء منه صعودًا إلى السماء يجد من ثقل ذلك عليه مثل ما يجد من الصعود إلى السماء) .
وقال أبو إسحاق: (كأنه قد كلف بأن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإِسلام من ضيق صدره عنه، قال: ويجوز أن يكون كأنَّ قلبه يصاعد في السماء نبوًا عن الإسلام والحكمة) .
وعلى هذا إنما شُبّه بالذي {يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} لبعده عن الإسلام ونفور قلبه، كما جرت العادة أن يقال لمن تباعد عن أمر ولم يلن له: فلان يَنْزُو في اللوح ويذهب في السماء من هذا الأمر، وقال أبو علي: (من قرأ(يصَّاعد) و (يصَّعَّد) فهو من المشقة وصعوبة الشيء ، ومن ذلك قوله تعالى: {يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن: 17] ، ومن ذلك قول عمر - رضي الله عنه -:"ما تصعَّدني شيء كما تصَعَّدنِي خِطْبةُ النكاح"، أي: ما شق عليّ مشقتها، وكأن ذلك لما يتكلفه الخطيب من مدحه وإطرائه لِلْمُمْلِكَ، فربما لم يكن كذلك، فيحتاج إلى تطلب المَخْلَص، فلذلك يشق، ومن ذلك قول الشاعر:
وإنَّ سِيَادةَ الأَقْوَامِ فاعْلَمْ ... لَها صعَدَاءُ مَطلبُها شديدُ
فكأن معنى (يصعد) : يتكلف مشقة في ارتقاء صُعُدًا , ولا يكون السماء في هذا القول المظلة للأرض، ولكن المراد به الارتفاع والسمك، ويستعمل السماء في الارتفاع كما قال سيبويه: (القيدود: الطويل في غير سماء) ، يريد [به] في غير ارتفاع).
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] قال بعض أصحاب المعاني: (وجه التشبيه في {كَذَلِكَ} أن جعله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم) وقال الزجاج: (أي: مثل ما قصصنا عليك {يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ} ) .