قوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأرض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله} أخبره الله سبحانه بأنه إذا رام طاعة أكثر من في الأرض أضلوه ، لأن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين ، وهم الطائفة التي لا تزال على الحق ، ولا يضرّها خلاف من يخالفها ، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل المراد بالأكثر: الكفار.
وقيل المراد بالأرض: مكة أي أكثر أهل مكة ، ثم علل ذلك سبحانه بقوله: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} أي ما يتبعون إلا الظنّ الذي لا أصل له ، وهو ظنهم أن معبوداتهم تستحق العبادة وأنها تقربهم إلى الله {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي وما هم إلا يخرصون ، أي يحدسون ويقدّرون ، وأصل الخرص القطع ، ومنه خرص النخل يخرص: إذا حزره ليأخذ منه الزكاة ، فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به ، إذ لا يقين منه.
وإذا كان هذا حال أكثر من في الأرض ، فالعلم الحقيقي هو عند الله ، فاتبع ما أمرك به ، ودع عنك طاعة غيره ، وهو العالم بمن يضلّ عن سبيله ومن يهتدي إليه.
قال بعض أهل العلم: إن {أَعْلَمُ} في الموضعين بمعنى يعلم ، قال: ومنه قول حاتم الطائي:
فحالفت طيّ من دوننا حلفا... والله أعلم ما كنا لهم خولا
والوجه في هذا التأويل أن أفعل التفضيل لا ينصب الاسم الظاهر ، فتكون"من"منصوبة بالفعل الذي جعل أفعل التفضيل نائباً عنه.
وقيل: إن أفعل التفضيل على بابه والنصب بفعل مقدّر.
وقيل: إنها منصوبة بأفعل التفضيل ، أي إن ربك أعلم أيّ الناس يضلّ عن سبيله ، وقيل: في محل نصب بنزع الخافض ، أي بمن يضلّ ، قاله بعض البصريين.
وقيل: في محل جرّ بإضافة أفعل التفضيل إليها.
وقد أخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله: {مُفَصَّلاً} قال: مبيناً.