فَإِنْ قِيلَ: أَلَا يَدُلُّ قَوْلُهُ: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) عَلَى اسْتِحَالَةِ التَّحْرِيفِ أَوِ التَّبْدِيلِ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ أَيْ فِي لَفْظِهَا وَعِبَارَتِهَا، كَاسْتِحَالَةِ التَّبْدِيلِ فِي صِدْقِهَا وَنُفُوذِهَا؟ قُلْنَا: إِنَّمَا وَرَدَ السِّيَاقُ وَالنَّصُّ فِي صِدْقِهَا وَعَدْلِهَا فِي لَفْظِهَا، وَقَدْ أَثْبَتَ اللهُ فِي كِتَابِهِ تَحْرِيفَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا لِكَلَامِهِ وَنِسْيَانَهُمْ حَظًّا مِنْهُ، وَمَا كَفَلَ تَعَالَى حِفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِهِ بِنَصِّهِ إِلَّا هَذَا الْقُرْآنَ الْمَجِيدَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (15: 9) وَظَهَرَ صِدْقُ كَفَالَتِهِ بِتَسْخِيرِ الْأُلُوفِ الْكَثِيرَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ لِحِفْظِهِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَلِكِتَابَةِ النُّسَخِ الَّتِي
لَا تُحْصَى مِنْهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - إِلَى هَذَا الْعَصْرِ، وَنَاهِيكَ بِمَا طُبِعَ مِنْ أُلُوفِ الْأُلُوفِ مِنْ نُسَخِهِ فِي عَهْدِ وُجُودِ الطِّبَاعَةِ بِمُنْتَهَى الدِّقَّةِ وَالتَّصْحِيحِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُ ذَلِكَ لِكِتَابٍ إِلَهِيٍّ وَلَا غَيْرِ إِلَهِيٍّ، فَأَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَحْفَظُوا كُتُبَ رُسُلِهِمْ فِي الصُّدُورِ وَلَا فِي السُّطُورِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.