(وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) أَيْ وَالَّذِينَ أَعْطَيْنَاهُمُ عِلْمَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ قَبْلِهِ كَعُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى دُونَ الْمُقَلِّدِينَ مِنْهُ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ مُنَزَّلٌ عَلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ. وَبَيَانُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْعَالِمَ بِالشَّيْءِ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يَكُنْ، فَمَنْ أَلَّفَ كِتَابًا فِي عِلْمِ الطِّبِّ كَانَ الْأَطِبَّاءُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِكَوْنِهِ طَبِيبًا، وَمَنْ أَلَّفَ كِتَابًا فِي النَّحْوِ كَانَ النُّحَاةُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِكَوْنِهِ نَحْوِيًّا، كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْوَحْيِ الْعَالِمُونَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ مِنْهُ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْوَحْيِ وَفِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ مِنْهُ، وَأَنَّ أَوْسَعَ الْبَشَرِ عِلْمًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُهُ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَكْتُبْ قَبْلَهُ شَيْئًا (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (29: 48) وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (26: 197) . (ثَانَيِهُمَا) أَنَّ فِي الْكُتُبِ الْأَخِيرَةِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِشَارَاتٍ بِالنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ تَخْفَى عَلَى عُلَمَائِهِمَا فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ بَيَّنَّا بَعْضَهَا وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِي الْجُزْءِ التَّاسِعِ، وَقَالَ