ذلك أن الاستعمار والقوى الخارجية الطامعة في مصادر الثروة في عالم الإسلام، كانت تعرف أن هذه الأمة القرآنية لا يمكن أن تؤتى إلا عن طريق تزييف مفاهيمها وتشكيكها في قيمها وإحلال منهج غريب عنها في مقايسات الأمور وتقدير المواقف وإصدار الأحكام، ولقد كان الغرب والاستعمار يعلمان مدى قدرة هذه الأمة استمداداً من قيمها، على مواجهة أعدائها وعلى الصمود في وجه الغزاة، وقد شكل لها فكرها الإسلامي أسلوباً حاسماً في هذا المحال: هو أسلوب الجهاد القادر على رد العدو، والمرابطة الدائمة، والإعداد بالقوة، واليقظة الكاملة، وقد كانت منطقة العالم الإسلامي ولا تزال وستظل مطمعاً للأمم، ولذلك فقد جهزها الفكر الإسلامي بالقدرة الدائمة على الصمود والأهبة: (ود الذين كفروا لو تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة - وخذوا حذركم) .
ومن هناك كان الاستعمار والغزو الأجنبي يرى من أجل إدامة سيطرته على هذه المنطقة الاستراتيجية الخطيرة، وذات الكنوز والثروات الضخمة، أن يحول هذه الأمة عن هذه القيم القادرة على المواجهة؛ حتى يخلق منها أمة مستسلمة ترضى بالهوان وتخضع للغاصب، وترى أنها داخلة في نطاق ما يسمونه الثقافة العالمية أو الوحدة العالمية أو الأممية أو غيرها من دعوات تريد أن تصهر المسلمين والعرب في أتونها وتضعهم في مجال احتوائها.
ونقطة الخطر هنا هي استسلام المسلمين والعرب لمنهج غير منهجهم المستمد من فكرهم وتراثهم وعقائدهم، ومنم هنا فإن أزمة المسلمين والعرب اليوم هي أزمة منهج، وأن أخطر التحديات التي تواجههم وفي مقدمتها الاستعمار والصهيونية هي التماس منهجهم الأصيل.