فلا حجة فيه، لأن في ذلك قوله سبحانه: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ(1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) يعني القرآن بلا خاف ولا شك (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) يعني كفار العرب (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) وهم الكفار"هل هذا - يعني محمدًا - (إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي فليس بأولى بالرسالة منكم. كما قال قوم نوح له: (مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا) وقول قوم صالح: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ) ؟ ثم قالوا (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) ؟ فأجابهم الله تعالى عن هذا بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) أي أن الرسل الذين كانوا قبلك بشراً وقد اعترف هؤلاء الكفار برسالتهم. فما وجه إنكارهم لرسالتك مع كونك بشرا؟ ثم قال (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) ، يعني أهل التوراة؟ هل كان المرسلون"
إلا رجالا يوحى إليهم؟
فالذكر أصح المراد ها هنا غير الذكر المراد في سورة الحجر، وهو الذكر المحفوظ.
فإن لفظ (الذكر) ورد في القرآن على وجوه:
منها: القرآن والتوراة كالموضوعين المذكورين.
ومنها: الرسول، كقوله: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا(10) رَسُولًا) على ما قيل فيه.
ومنها: الشرف، كقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) أي شرف.
فلفظ"الذكر"مطلق على هذه المعاني بالاشتراك أو التواطؤ. أو بالحقيقة والمجار.
وبكل تقدير فلا يصح استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو الذكر المبدلة أهله. ويبين ذلك بتقرير استدلاله على وجه صناعي هكذا: اللّه - سبحانه - حفظ الذكر، والذكر هو التوراة. فاللّه حفظ التوراة، لكن المقدمة الأولى مهملة، وشروطها في الإنتاج أن تكون كلية، هكذا: اللّه حفظ كل ذكر. والتوراة ذكر.
لكن ليس التقدير هذا، وحينئذ يدخل التفصيل في المقدمة الأولى. فيقال: ما تعني بالذكر المحفوظ؟ التوراة أو القرآن؟ الأول ممنوع. والثاني: مسلم، لكنه لا يفيد، لأن الحد الأوسط في الشكل مختلف فمحمول الأولى غير موضوع الثانية.
قوله:"فتبين بذلك أن كلمات الله غير مبدلة".