والثاني- اشتمال التّوراة والإنجيل على الآيات الدّالة على أنّ محمدا صلّى الله عليه وسلّم رسول حقّ، وعلى أنّ القرآن كتاب حقّ من عند الله، وهو المراد بقوله: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ.
والوجهان مذكوران في قوله تعالى: قُلْ: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد 13/ 43] .
وبعد أن بيّن تعالى أنّ القرآن معجز، ذكر أنّه تمّت كلمة ربّك، أي القرآن، والمراد: تمّ القرآن في كونه معجزا دالّا على صدق محمد عليه الصّلاة والسّلام.
التّفسير والبيان:
يأمر الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره:
ليس لي أن أطلب قاضيا بيني وبينكم لأنه لا حكم أعدل من حكم الله، ولا قائل أصدق من قوله، وهو الذي أنزل إليكم القرآن مبيّنا فيه حكم كلّ شيء، من العقائد والشّرائع والآداب، وقد جاوزت سنّ الأربعين، ولم يصدر عنّي مثله في العلوم والمعارف، والأخبار الماضية والمستقبلة، ولا في الفصاحة والبلاغة، كما قال تعالى: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ [يونس 10/ 16] ، أي: أفغير الله أطلب لكم حاكما، وهو الذي كفاكم مؤنة المسألة، في الآيات، بما أنزله إليكم من الكتاب المفصّل، أي المبين.
وبعبارة أخرى: لا فائدة من طلبكم دليلا على صدق نبوّتي، فهناك دليلان واضحان يؤيّدان رسالتي، وهما الآية الكبرى وهي القرآن المعجز الدّال بإعجازه على أنّه كلام الله، واشتمال التّوراة والإنجيل على ما يدلّ على أنّي رسول الله حقّا وأنّ القرآن كتاب حقّ من عند الله تعالى.
وإن أنكر هؤلاء المشركون أحقيّة القرآن وكذّبوا به، فإن اليهود والنصارى أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربّك بالحقّ، بما ورد عندهم من البشارات بك، على لسان الأنبياء المتقدّمين، كما قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة 2/ 146] .