قولهم: يلزم أن يكون العادل من فعل مأمورا به: لا نسلم لزوم ذلك على مقتضى ما ذكرناه، ومرتكب الفواحش قبل «1» ورود الشرع: وإن سمى ظالما، وامتنع «1» كونه مرتكبا للمنهى شرعا- فما امتنع كونه مرتكبا المنهى «2» عقلا. ونحن فلم نخصص النهى بالشرع، ليرد علينا ما ذكروه.
فإن قيل: فالعرب قد تسمى الحية ظالمة: وإن لم تكن مرتكبه منهيا عقلا، ولا شرعا.
ولهذا تقول العرب: فلان أظلم من حية؛ بل قد تسمى الجمادات بذلك كما في قولهم: ظلم السهم وجار: إذا مال عن سننه، وظلم السقا: إذا منع الزبد، ولم يخرجه بالمخض. وظلمت السماء: إذا حبست قطرها في أوانه، ومطرت في غير أوان المطر.
وقد قال الله- تعالى- كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا «3» ، أى آتت بثمرها من غير نقص.
قلنا: ما ذكرتموه: إما أن يكون مع الاعتراف منكم بجواز صدور الظّلم من الجمادات، والحيوانات العجماوات، أو لا مع الاعتراف به.
فإن كان الأول: فإما أن يكون السبب في تسميتها ظالمة صدور الظلم منها، أو غير ذلك.
فإن كان السبب هو صدور الظلم منها؛ فيلزمكم أن يسمى الأسد المفترس الضارى ظالما، والحمل الهائج المؤذى ظالما، والطفل الّذي لا تمييز له- إذا صدر منه الأذى- ظالما؛ وهو محال غير سائغ في اللغة.
وإن كان الثانى: فقد بطل قولكم: إن الظالم من فعل الظلم، وكذلك يبطل إن قلتم إن الظلم غير صادر منها.
قولهم: يمتنع أن يسمى ظالما؛ لكونه فعل ما ليس له؛ فجوابه ما سبق أيضا في الوجه الأول.
(1) فى ب (أن سمى قبل ورود الشرع ظالما ولا مقنع) .
(2) فى ب (النهى) .
(3) سورة الكهف 18/ 33.