فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 2175

لا أسلم أن اللذة عبارة عن إدراك ما يلائم المزاج؛ بل اللذة عبارة عن إدراك الملائم، وهو أعم من إدراك ملائم المزاج. ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم؛ ولهذا قالت الخصوم إن الله- تعالى- ملتذ بإدراك ما يلائم ذاته من كمالاته، وإن لم يكن له مزاج، وكذلك النفوس بعد مفارقة الأبدان تلتذ بما حصل لها من كمالاتها الممكنة لها، وتتألم بمفارقة ما لكمالاتها. وإن لم تكن الأنفس ذات مزاج؛ بل في الشاهد يجد كل عاقل من نفسه لذة الإيثار بالمطعومات المشتهاة الملائمة للمزاج، المحبوبة، حتى أن ذلك أيضا في الحيوانات العجماوات. وصرف الطعوم الملائم للمزاج إلى الغير؛ لا يكون ملائما للمزاج وهو لذة.

وإن سلمنا أن اللذة في الشاهد لا تتم دون المزاج؛ ولكن لا يلزم من ذلك امتناعها في الغائب؛ لامتناع المزاج في حقه؛ لجواز أن تكون معلولة في الشاهد بملائمة المزاج، ولا يلزم من انتفاء بعض العلل، انتفاء المعلول.

فالأقرب في ذلك: ما ذكره القاضى أبو بكر من أن الأمة؛ بل العقلاء كافة متفقون على أن اتصاف الرب- تعالى- بشيء من هذه الكيفيات ليس من صفات المدح والكمال، وأن الرب- تعالى- لا يتصف بما ليس من صفات المدح والكمال؛ فلا يكون متصفا بشيء منها؛ وقد عرف ما يتجه على الاحتجاج بالإجماع، وما فيه في قاعدة النظر «1» .

والّذي يخص قول الفلاسفة: أن اللذة إدراك الملائم، والرب تعالى مدرك لما يلائم ذاته من كمالاته؛ فحاصله يرجع إلى تفسير اللذة بالإدراك، ونحن لا ننازع فيه من جهة المعنى؛ بل من جهة الإطلاق اللفظى/؛ إذ هو متوقف على ورود الشرع به؛ ولا سبيل إلى إثباته.

(1) راجع ما سبق في قاعدة النظر ل 25/ أ وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت