مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
أضاف الجملود إلى الصخر، وهما بمعنى واحد.
وعلى هذا فإنه يحسن أن يقال: أدركته؛ فرأيته.
وقولهم: انظر كيف ينظر فلان إلى فلان؛ فهو تجوز باسم الرؤية عن تقليب الحدقة؛ لأن تقليب الحدقة سبب للرؤية في الغالب، والتجوز باسم المسبب عن السبب؛ جائز.
وهذا هو الجواب عن قوله- تعالى- وتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وهُمْ لا يُبْصِرُونَ «1» .
قولهم: إن النظر قد يوصف بما لا توصف به الرؤية الحقيقية ليس كذلك. ولا مانع من [اتصافها «2» ] بما ذكروه من الصفات.
قولهم: إن العرب لا تصف إلا ما تراه؛ ليس كذلك؛ فإنها «3» كما تصف المرئيات، فقد تصف «3» ما لا يرى في مجارى العادات: كالشجاعة، والجبن، والكرم، والبخل، والبر، والعقوق، والعشق، والشوق، ونحو ذلك وفيما نحن فيه خاصة؛ فإنهم يصفون النظر بمعنى الرؤية ومنه قول الشاعر:
نظرت إلى من حسّن اللّه وجهه ... فيا نظرة كادت على وامق تقضى
قولهم: إن النظر مأمور به، ومنهى عنه.
قلنا: الأمر، والنهى؛ وإن كان لا يتعلق بغير المقدور، فإذا أضيف الأمر إلى النظر الموصول بإلى؛ فهو حقيقة في الرؤية غير أنه لما تعذر حمل الأمر عليه، لكونه غير مقدور تجوز به عن سببه؛ وهو تقليب الحدقة كما سبق.
قولهم: إن النظر الموصول/ بإلى قد يرد بمعنى الانتظار لا نسلم ذلك، والناقل عن العرب أنها تقول: نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته، إن كان غير موثوق به؛ فلا التفات إليه.
وان كان موثوقا به؛ فنقله مرجوح بالنسبة إلى النقل المشهور المأثور عنهم، أنهم قالوا: النظر الموصول بإلى لا يكون إلا بمعنى الرؤية؛ فإنه لا يقال نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته؛ بل إذا أريد به الانتظار قيل نظرته، وانتظرته لا غير.
(1) سورة الأعراف 7/ 198.
(2) فى أ (صفاتها) .
(3) فى ب (فإنه كما يوصف المرئيات قد يصف) .