فهرس الكتاب

الصفحة 1970 من 2175

الرسول- عليه السّلام- وهؤلاء هم الأكثرون ويدل على وعيدهم، وذمهم مع ظنهم أنهم على الحق قوله تعالى: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ/ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ «1» ، وقوله تعالى: وذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ «2» ، وقوله تعالى: ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ «3» إلى غير ذلك من الآيات.

فإن قيل: ما ذكرتموه وإن دل على أنهم غير معذورين، غير أن عجزهم عن إدراك الحق بعد النظر، والمبالغة في الاجتهاد، موجب لعذرهم، فلو عاقبهم بعد ذلك، كان ذلك تكليفا بما لا يطاق وقد قال- تعالى-: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها «4» .

قلنا: أما التكليف باعتقاد الحق؛ فمعلوم بالضرورة من أقوال الشارع، وأفعاله على ما سبق «5» .

وقولهم: إن ذلك تكليف بما لا يطاق، ولا نسلم أنه تكليف بما لا يطاق؛ فإن ذلك ممكن لهم؛ إذ الأدلة على الحق منصوبة ظاهرة، والعقل الّذي به المعرفة حاضر عتيد لديهم، ومع ذلك فالمعرفة للحق تكون ممكنة، لا ممتنعة؛ فالتكليف بها لا يكون تكليفا بما لا يطاق «6» .

وإن سلمنا أنه تكليف بما لا يطاق، غير أنه جائز على ما تقدم في التعديل والتجوير «7» .

وأما قول العنبرى: بأن كل مجتهد في العقليات مصيب: إما أن يريد به الإصابة في الاجتهاد: أى أنه أتى بما أمر به من الاجتهاد، والّذي هو منتهى مقدوره، واما أن يريد به الإصابة في نفس المجتهد فيه، وأن ما اعتقده على وفق اعتقاده، وإما أن يريد به أنه معذور غير آثم: كما هو مذهب الجاحظ، أو معنى آخر.

فإن كان الأول: فهو حق غير أنه لا يمتنع مع ذلك الذم، والعقاب؛ لعدم إصابة الحق في المعتقد كما سبق.

(1) سورة ص: 38/ 27.

(2) سورة فصلت: 41/ 23.

(3) سورة المجادلة: 58/ 18.

(4) سورة البقرة: 2/ 286.

(5) راجع ما مر في الجزء الأول- القاعدة الثانية: في النظر وما يتعلق به ل 25/ أ وما بعدها.

(6) راجع ما في الجزء الأول- القاعدة الرابعة- النوع السادس- الأصل الأول- المسألة الخامسة: في تكليف ما لا يطاق. ل 194/ ب وما بعدها.

(7) راجع ما مر في المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت