وقوله «11» // تعالى-: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ .... «1» الآية.
لا دلالة فيه على أن جبريل أفضل من محمد- صلى اللّه عليه وسلم- فإن غايته ذكر صفات لجبريل موجبة لفضيلته، ولا يلزم من ذلك الأفضلية إلا أن يكون كل ما وصف به محمد- صلى اللّه عليه وسلم- قد وصف به جبريل، وزيادة؛ وليس كذلك.
وما ذكروه في تقريره فلا حجة فيه؛ لأنه لم يذكر وصف جبريل بما ذكر به، لقصد تفضيله على محمد، أو لأنه أفضل منه؛ بل إنما ذكر ذلك للرد على كفار مكة حيث أنهم كانوا يقولون إن محمدا مجنون، وأن ما يذكره من القرآن: إنما هو كلام الشيطان يلقيه على لسانه. فقال- تعالى-: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوارِ الْكُنَّسِ- أى الكواكب- واللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ- أى أظلم- والصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ- أى أضاء- إِنَّهُ- أى القرآن- لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ* مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، مبالغة في أنه ليس بقول شيطان رجيم، وما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ «2» كما زعمتم، وإنما وقعت المبالغة في ذكر صفات جبريل دون صفات محمد- صلى اللّه عليه وسلم- لوجهين:
الأول: أنها لم تكن معلومة لهم بخلاف صفات محمد- صلى اللّه عليه وسلم- إذ أنها كانت معلومة لهم؛ لكونه- صلى اللّه عليه وسلم- بين أظهرهم، وهو بمرأى منهم.
الثانى: للمبالغة في الميز بينه، وبين من نسب إليه إلقاء القرآن على لسان الرسول عليه- الصلاة والسلام- من الشياطين، لا لأجل أن جبريل عليه السلام أفضل.
وهذه المسألة: ظنية لا حظ للقطع فيها نفيا، ولا إثباتا، ومدارها على الأدلة السمعية، دون الأدلة العقلية، وقد أتينا فيها بمبلغ الجهد، ونهاية الوسع، مما لم يأت به غيرنا على وفق مذهب أصحابنا.
ولله الحمد والمنة
(11) // أول ل 108/ ب.
(1) سورة التكوير 81/ 19.
(2) سورة التكوير 81/ 15 - 22.