وهو غير سديد، فإنه إنما يكون تكليفا بما لا يطاق؛ أن لو كان ما توقف الواجب «1» على فعله غير ممكن، وعدم إيجابه لا يخرجه عن الإمكان؛ فالأقرب «2» في ذلك أن يقال:
إذا ثبت وجوب المعرفة؛ فالمعرفة من جهة حقيقتها وماهيتها، لا توصف بالوجوب الثابت بخطاب التكليف؛ فإن خطاب التكليف بالوجوب، والتحريم: إنما يتعلق بأفعال المكلفين، والمعرفة ليست من صفات الأفعال؛ ولهذا لا يقال لمن عرف شيئا من جهة كونه عارفا أنه فعل شيئا. فإذا قيل بوجوب المعرفة؛ فمعناه وجوب تحصيلها، والتحصيل إنما يكون بسلوك ما به تحصل المعرفة.
فإذا قلنا: يجب التحصيل بما ليس واجبا؛ كان متناقضا لفظا، ومعنى، وهو ممتنع.
وأما ما يتوقف عليه الواجب مما ليس فعلا للمكلف، ولا مقدورا له؛ فلا يمكن إيجابه إلا على رأى من لا يمنع التكليف بما لا يطاق، بخلاف ما كان مقدورا للمكلف:
كالنظر، ونحوه.
قولهم: لم ينقل عن النبي- صلى اللّه عليه وسلم- ولا عن أحد من الصحابة الخوض في النظر، في مثل هذه المسائل.
قلنا: لأنهم كانوا مشاهدين الوحى، والتنزيل، وعقائدهم صافية، وأدلّتهم من الكتاب والسنة ظاهرة، ولم يكن في زمانهم/ من يحوج إلى النظر، والمناظرة.
أما أن يكونوا جاهلين بأدلة هذه المسائل، ومعرفة الله- تعالى- وصفاته، مع صفاء أذهانهم، وشدّة قرائحهم، وصلابتهم في «3» التنقير عن قواعد الدين، وتحقيق مراسمه- والكتاب والسنة مشحونان بأدلتها- مع معرفة الآحاد منا لذلك؛ فهو بعيد، لا يعتقده من له أدنى تحصيل، كما لم ينقل عنهم أنهم وضعوا كتبا في التفسير، والحديث، والجرح والتعديل، والناسخ والمنسوخ، والأحكام الفقهية، على الترتيب الخاص، والمراسم
(1) فى ب (الإيجاب) .
(2) فى ب (و الأقرب) .
(3) فى ب (مع) .