ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب، والمعنى: أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى، ثم إنهم فاجؤوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه.
ومعنى التوقع في {لَمَّا} : أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرر عليهم التحدي فزادوا قواهم في معارضته، فتضاءلت دونها، أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقًا لإخباره مرارًا فلم يقلعوا عن التكذيب تمردًا وعنادًا {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أنبيائهم {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم» [1] .
فهذا القرآن العظيم ليس ألفاظًا وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها، كلا وربي، إنه كلام الله تعالى الذي تحدى به الخلق كلهم، فقال عز من قائل حكيمًا: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ] الإسراء: 88 [. فهذا تنويه بشرف القرآن وعظمته.
وهذا الآية ونحوها تسمى آيات التحدي، وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن الكريم أو سورة منه.
«وكيف يقدر المخلوق من تراب أن يكون كلامه ككلام رب العالمين، أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه أن يأتي بكلام ككلام الكامل، الذي له الكمال المطلق، والغنى الواسع من جميع الوجوه، هذا ليس في الإمكان، ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوق ومعرفة بأنواع الكلام، إذا وزن
(1) تفسير البيضاوي، (3/ 199 - 200) .