المطلب الثالث
جودةُ سَبكه وإحكامُ سَرده
جودة السَّبك، وإحكام السَّرد، أمر في غاية الأهمية، ذلك أنَّ الكلام هو مرآة المعاني، فإذا اتَّسق الكلام، وترابطت أجزاؤه، وتلاحمت أفراده وأحكم سرده، صفت معانيه وانجلت، فجودة السَّبك وإحكام السَّرد ضرورة لصفاء المعاني، وتحقيقُ ذلك أمر صعب المرتقى، فهو يحتاج إلى ملكة راسخة، وحذق مكين في علم الكلام [1] .
و «القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره فإذا هو محكم السَّرد، دقيق السَّبك، متين الأسلوب، قويُّ الاتصال، آخذ بعضه برقاب بعض في سورة وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه كأنه سبيكة واحدة، ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك ولا تخاذل، كأنه حلقة مفرغة، أو كأنه سمط [2] وحيد، وعقد فريد، يأخذ بالأبصار: نظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقًا لأوله، وبدا أوَّله مواتيًا لآخره» [3] .
ومن أراد جودةً قويةً في سبك كلامه، وإحكامًا متناسقًا في سرده: فليختر موقعًا مناسبًا لكل عبارة من كلامه، من حيث بداية الكلام، أو نهايته، أو مضمونه، أو خلاصته، وليحسن ربط الكلام بعضه ببعض، ومزج بعضه ببعض، وليختر أحسن الأساليب في ذلك، فقد يكون الإسناد مرة أفضل، وقد يكون التَّعليق أُخرى، وقد يكون العطف ثالثة، وقد تكون
(1) انظر: خصائص القرآن الكريم، (ص 39) .
(2) السمط: هو القلادة، وجمعه سُموط.
«انظر: لسان العرب، (7/ 322) ، مادة: (سمط) » .
(3) مناهل العرفان في علوم القرآن، (1/ 53) .