هؤلاء الأنبياء الكرام من نفور عن الحق، رغم الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة، الدالة على رسالتهم، فإن كثيرا من أتباعهم عموا وصموا عن إتباع الحق، وأصروا على إتباع الباطل، كما جاء على لسان نوح - عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 5 - 7] وكذلك: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} [نوح: 21] .
إن القصص القرآني- حقًا- عزاء للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لئلا تذهب نفسه حسرات على كفر الكافرين وجحودهم، بعد الأدلة الدامغة التي جاءهم بها [1] .
المراد بهذه العبرة، هو الاتعاظ والاعتبار بأحوال الأنبياء والمرسلين للاقتداء بهم في الصبر على الأذى، وتبليغ الدعوة، والاقتداء بإيمانهم القوي، وتخليد آثارهم، والإشارة إلى فضلهم، ومكانتهم الرفيعة عند الله تعالى، وفي المقابل الابتعاد عن مثل تصرفات المخالفين من الأمم السابقة.
قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] .
وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34] .
ولذلك فإن الله تعالى يحكي في هذا القصص، أن عاقبة أمر المنكرين
(1) انظر: بلاغة تصريف القول في القرآن الكريم، (2/ 901) .