المطلب الثاني
إِرضَاؤُهُ العقلَ والعاطِفةَ
في الوقت الذي تُخاطب بعض الفلسفات في الإنسان عقلَه، وأخرى تخاطب قلبَه، فإن القرآن العظيم في خطابه يُحَقِّق التَّوازن بمخاطبة العقل والقلب معًا، فيجمع بذلك الحقَّ والجمال معًا، ففي كلِّ إنسان قُوَّتان:
1 -قوة تفكير.
2 -وقوة عاطفة ووجدان.
فقوة التَّفكير تغوص باحثةً عن الحقائق والمعاني المستترة.
وقوة العاطفة تطفو فتبحث عن الجمال الظَّاهر، وهذه النفس الإنسانيَّة إمَّا أن تغوص مع تلك أو تطفو مع هذه، فلا تستطيع أن تغوص أو تطفو في لحظة واحدة، أو وقت واحد.
ولن يوجد إنسان سواء كان عالمًا، أو أدبيًا، أو شاعرًا يمسك بالأمر من طرفيه، فيأتي بكلام واحد يفي بحاجة هاتين القوتين، ولو وجدت عند أحد من البشر فإنهما لا يعملان إلا مناوبة كلما قويت واحدة، ضعفت الأخرى.
وهو أمر يجده الواحد من نفسه، فإذا قويت (قُوَّة الوجدان) تناقصت (قوة التَّفكير) , وحين تظهر (قوة التفكير) تضعف (قوة الوجدان) .
وقد أدرك العلماء ذلك فقالوا: لا يقضي القاضي وهو حاقن، أو جائع، أو غضبان؛ لأن حرارة الغضب تستر العقل فلا يصلح للقضاء [1] .
والشَّاهد من هذا: أنَّ (قوة التفكير) و (قوة الوجدان) تتنازعان في النفس الإنسانية، وتكون الغلبة لإحداهما، فإن تكلَّم المتكلِّم ووَفَّى بحقِّ العقل بخس حَقَّ العاطفة، وإن وفَّى حقَّ العاطفة بخس حقَّ العقل، فإمَّا أن
(1) انظر: محاسن الإسلام، لمحمد بن عبد الرحمن البخاري، (ص 114) .