لقد أثر القرآن العظيم تأثيرًا عجيبًا في قلوب الناس جيلًا بعد جيل، فبعد أن أحال حياة العرب في الجزيرة العربية من جهل إلى علم، ومن شرك إلى توحيد، ومن فرقة إلى اجتماع وائتلاف وتنظيم، اندفعوا بعد ذلك كالسيل الآتي إلى نواحي الجزيرة كلها وغيرها وأطاحوا بعروش الأكاسرة والقياصر أعظم ملوك الأرض، واقتلعوا جذور الشرك والظلم ونشروا التوحيد والحق والعدل، فدخل الناس في دين الله أفواجًا قد اختاروا الاهتداء بهذا القرآن، لا جرم أن سبب هذا كله في الدرجة الأولى هو تأثير القرآن العظيم.
ولقد بهر القرآن العرب منذ أن استمعوا إليه في اللحظة الأولى، سواء من شرح الله صدره للإسلام وأنار بصيرته، أو من طبع الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة، كالوليد بن المغيرة وغيره، فروعة هذا القرآن يحسها القلب الخاشع ويتأثر بها أيما تأثر، ولكن العرب- كما وصفهم القرآن العظيم: {قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] ، وأعداء ألده: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم: 97] ، أخذوا يثيرون الشكوك في القرآن، ويشنون عليه حملات شعواء، بغية التهوين من شأنه، والغض من قدره.
المتأمل في قوة تأثير القرآن العظيم يجد أنه جمع بين الجزالة والسلاسة، والقوة والعذوبة، وحرارة الإيمان، وتدفق البلاغة، فهو النور الباهر، والحق الساطع، والصدق المبين، ولما سمعه فصحاء العرب وبلغاؤهم وأرباب البيان