المطلب الخامس
جمعه بين الإجمال والبيان
جمع القرآن العظيم بين الإجمال والبيان، مع أنهما غايتان متقابلتان لا تجتمعان في كلام واحد للناس! بل كلامهم إما مجمل وإما مبين.
فالكلمة الواحدة من كلام البشر: إما واضحة المعنى لا تحتاج إلى بيان، وإما خفية المعنى فتحتاج إلى بيان، وذلك كلام «المخلوق» .
أما القرآن العظيم - وحده - لأنه كلام «الخالق» فالأمر فيه مختلف، فهو خارق للعادة، ولا عجب أن يجتمع في آية واحدة منه، البيان والإجمال جميعًا.
فإذا قرأ الواحد منا آية من القرآن وجد فيها من الوضوح والظهور، حتى يظن أنه أحاط بكل معانيها، فإذا أعاد النظر مرة أخرى ظهر له منها معان جديدة، كلها صحيح أو يحتمل الصحة، فإن زاد التمعن وأطال النظر في الآية، انفتح له من المعاني والمعارف والأسرار ما لم يظهر له من قبل، حتى يكل وينتهي، ومعانيها لا تزال تفيض بالخيرات والبركات، ومن هنا ندرك السر في اختلاف العلماء في استنباط الفوائد والحكم من الآيات قلة وكثرة، ويستدلون بها من نواح شتى ومختلفة، والآية نفسها لم تتغير [1] .
نماذج:
ومن أمثلة الآيات التي جمعت بين البيان والإجمال قول الله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ] البقرة: 212 [. «هل ترى كلامًا أبين من هذا في عقول الناس، ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة، فإنك لو قلت
(1) انظر: خصائص القرآن الكريم، (ص 45) . مناهل العرفان في علوم القرآن، (2/ 296) ،