وحينما نوازن بين القرآن والتوراة في الحجم نجده أصغر منها، ولكن إذا تأملنا البركة التي في القرآن فسنجدها بركةً لا تنتهي؛ فكل يوم يعطي القرآن المبارك عطاءً جديدًا، ولا تنقضي عجائبه، ويقرأه الناس فيفهم هذا منه معنى، وآخر يفهم معنى جديدًا. وهذا دليلٌ على أن قائله تعالى حكيم، وضع في الشيء القليل الفائدة الكثيرة. فهذا هو معنى قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} [ص: 29] . وكل كتاب سبق هذا الكتاب المبارك له زمن محدود، وأمة محدودة، أما القرآن فهو يواجه - منذ أن أنزله الله تعالى إلى قيام الساعة - قضايا متجددة يضع لها حلولًا مناسبة.
وقد جاء القرآن المبارك متوافقًا مع طموح البشرية، وحضارتها وارتقائها في العقول، لذلك كان له السبق دائمًا في مواجهة هذه الأمور التي يحتاجها البشر في كل مكان وزمان ولا يكون ذلك إلا إذا كان مباركًا [1] .
فنرجو الله تعالى القريب المجيب أن تغمرنا بركات هذا الكتاب العظيم المبارك في الدنيا والآخرة، إنه سميع عليم.
المطلب الخامس
القرآن تبيانٌ لكل شيء
قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] .
«قال ابن مسعود - رضي الله عنه: وقد بين لنا في هذا القرآن كل علم، وكل
(1) انظر: تفسير الشعراوي: (7/ 4008 - 4009) .