فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 682

يأتي بكلام علمي مجرَّد يرضي به فكرَه وعقلَه، وإمَّا أن يأتي بكلام أدبي منمَّق يرضي به عاطفته [1] .

والقرآن العظيم وحده هو القادر على مُخاطبة العقل والقلب معًا، وأن يمزج الحقَّ والجمال فلا يبغي بعضُهما على الآخر.

وإنَّ المتأمِّلَ في كتاب الله تعالى يلحظ ذلك جليًا، ففي الوقت الذي توُرَدُ فيه الحجج والبراهين العقلية على البعث والإعادة - في مواجهة منكريها - لا يهمل نصيب القلب من تشويق وترقيق، فتُساقُ الأدلة سوقًا يهز القلب هزًا، ويمتع العاطفة إمتاعًا، قال الله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} ] يس: 78[.

لقد أوردت هذه الآية الكريمة شُبهةً على البعث ثم ردَّت عليها بعبارة وجيزة، بليغة، فضيحة، تَنَاسقت فيها الألفاظ، وسمت فيها المعاني، مع دقَّة في الدلالة، وإنَّ أفصح الفصحاء، وأعلم العلماء، لو اجتمعا لم يُقَرِّرا ذلك إلا في صفحات وصفحات، إن هما قَرَّراه.

ولنتأمل قولَه تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} ]الأنبياء: 22 [.

عند ذلك يتبيَّن لنا أنه اجتمع في سبع كلمات عمق المقدِّمات اليقينية، ووضوح المقدِّمات المُسَلَّمة، مع دقة في التصوير لما يؤول إليه التنازع من فساد عظيم، فلو ابتغى مثلَه فلاسفة العصور كلها ما استطاعوا تقريره إلاَّ بعبارة طويلة جافَّة.

لننظر إلى القرآن العظيم وهو يسوق قصَّة يوسف مثلًا، كيف يأتي من خلالها بالعظات البالغة، ويطَّلع من خلالها بالبراهين الساطعة، وآداب الشرف، والعفاف، والأمانة، وخشية الله، إذ قال الله تعالى في فصل من

(1) انظر: خصائص علوم القرآن، (ص 36) . النبأ العظيم، د. محمد عبد الله دراز، (ص 114 - 115) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت