فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 682

العام أحسوا بجلاله، وذاقوا حلاوته، وفهموا منه على قدر استعدادهم ما يرضي عقولهم وعواطفهم، وكذلك الخاصة إذا قرؤوه، لكنهم يفهمون منه أكثر ما يفهمه العامة.

وهذا مطلبان لا يدركهما الفصحاء والبلغاء من الناس، ولذلك لجؤوا إلى قاعدة يعتذرون بها فقالوا: (لكل مقام مقال) ، أما أن يأتي كلام واحد يخاطب به العلماء والعامة، والملوك والسوقة، والأذكياء ومن دونهم، والكبير والصغير، والذكر والأنثى، والعرب والعجم، ويرى فيه كل منهم مطلبه ويدرك معانيه ما يكفيه، فذلك ما لا يوجد إلا في القرآن العظيم وحده.

فالآيات نفسها لم تتبدل ولم تتغير، لكن فيها من العطاء بحيث يدرك منه كل قارئ قدر طاقته، ووسع عقله وفكره، فلا يحمله ما لا يطبقه، ولا يقصر عن حاجته.

وهو لا يخاطب عامة وخاصة في عصر من العصور، بل يخاطب أولئك في كل عصر ومصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ولن تجد فيه الخاصة - فضلًا عن العامة - قصورًا في معانيه، ولا خللًا في تراكيبه، ولا عيبًا في أساليبه.

والعامة كذلك - على الرغم من تحول الأساليب وتغيرها من قرن إلى قرن - لا تنبو عن أفهامهم لفظة، ولا يلتوي على ألبابهم معنى، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان أكثر مما يحتاجون إلى فهم لغتهم العربية.

وهذا لا يكون ولن يكون أبدًا في كلام البشر الناقص، الذي إن أرضى العامة بمعانيه الواضحة، وحقائقه الظاهرة، هبط عن مستوى الخاصة ومشربهم وأذواقهم، وإن أرضى العلماء منهم بدقائقه وإشاراته، عجزت عقول العامة عن فهمه، ومن ثم تنصرف عنهم أذهانهم، وتمجه أذواقهم [1] .

(1) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، (2/ 287) ، خصائص القرآن الكريم، (ص 34 - 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت