ويعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا» [1] . وقال أيضًا: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار» [2] .
ولقد استقرت حقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم - فرأوا ضرورة تلازم تعلم كتاب الله تعالى والعمل به، وأنه لا يمكن الفصل بينهما، وأن التمازج بينهما كما بين اللحم والعظم، فكانوا يلقنون تلاميذهم من التابعين هذا المفهوم الصحيح للنصيحة لكتاب الله تعالى، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «لقد عشت برهة من دهري وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن نقف عنده منها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم لقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدرى ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدَّقل» [3] .
فالإيمان الذي أشار إليه ابن عمر رضي الله عنهما بقوله: «وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن ... » هو الإيمان بأن القرآن إنما أُنزل لتدبر آياته والعمل بما فيه.
وذلك الإيمان هو الذي دفع الصحابة رضوان الله عليهم لتحقيق
(1) مدارج السالكين، لابن القيم (1/ 451) . ونحوه في تلبيس إبليس، لابن الجوزي (ص 109) . ونُقل أيضًا عن الفضيل بن عياض، انظر: اقتضاء العلم العمل، (ص 76) .
(2) التبيان في آداب حملة القرآن، (ص 72) .
(3) رواه الطبراني في الأوسط، انظر: مجمع البحرين بزوائد المعجمين، (1/ 482) ، وحسنه المحقق. والحاكم في المستدرك، (1/ 35) وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرطهما ولا علة له» .