النصيحة لكتاب الله على ذلك الوجه، فكانوا فور نزول السورة أو الآية يبادرون لتعلمها والعمل بها، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما في حديثه السابق: «وتنزل السورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن نقف عنده منها» .
وهذا التابعي الجليل أبو عبد الرحمن السلمي - رحمه الله - ينقل ذلك عن ثلاثة من كبار الصحابة رضي الله عنهما، فيروي عن عثمان وابن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنهم: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرئهم العشر آيات فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، [قالوا:] فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا» [1] .
وأفاد أثر ابن عمر السابق أيضًا: أن سبب التقصير في العمل بكتاب الله يرجع إلى عدم تمكن ذلك الإيمان من القلوب، فقد جاء فيه قوله: «ولقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ... » .
فالصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يقرؤون القرآن بقصد الثقافة والإطلاع، ولا بقصد التذوق والمتاع، لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة فحسب، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العملية والفقهية محصولًا يملأ به جعبته، وإنما كان يتلقى القرآن ليعرف أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته،
(1) انظر: مقدمة تفسير القرطبي، (1/ 56) ، وعزاه إلى كتاب أبي عمرو الداني: «جامع البيان في القراءات السبع» . تفسير الطبري، (1/ 60/82) . مقدمة تفسير ابن كثير (1/ 13) .