فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 682

بل إنه ربط بين دنيا الناس وأخراهم، فله ارتباط وثيق بالإيمان- وهذا مما يميزه عن النظم الوضعية- ولهذا قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [الشورى: 15] .

قال أبو السعود رحمه الله في معناها: [1] « {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} في تبليغ الشرائع والأحكام، وفصل القضايا عند المحاكمة والخصام، ... {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي خالقنا جميعًا ومتولي أمورنا، {وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} لا تتجاوزكم آثارها فنستفيد بحسناتكم أو نتضرر لسيئاتكم» .

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالعدل في الدنيا حتى يجيء يوم الفصل فيتولى الله تعالى العدل في الحكم يوم يرجع الأمر كله إليه.

مقارنة:

لقد تميز مفهوم العدل في التشريع القرآني عنه في النظم الوضعية البشرية، فهذه القوانين لا تعرف من معنى العدل إلا جانبه الظاهر الذي يدركه العقل، كالوفاء في الميزان، وعدم أكل أموال الناس في البيع والشراء، وعدم الغش والاحتكار ونحو ذلك، لكن جانبًا آخر من العدل غير ظاهر، ولا يمكن التوصل إليه إلا من خلال شريعة معصومة، شريعة تخاطب الضمائر والقلوب بالعدل، لأن مصدرها من الله اللطيف الخبير، الذي يعلم خبايا الأنفس وما تخفي الصدور.

فهناك أشكال وألوان من العدالة لا يمكن لهذه القوانين الوضعية العمياء البكماء الصماء أن تبصر الناس أو تخاطبهم بها، فكيف تضمن العدل بين

(1) تفسير أبي السعود، (8/ 27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت