السعادة أن يختار المرء لنفسه المواظبة على أفضل الأعمال فأفضلها، بحيث لا يضيع بذلك ما هو أولى بالتقديم منه، والسعادة كلها في اتباع الشريعة في كل ما ورد وصدر، ونبذ الهوى فيما يخالفها» [1] .
وهذا الكلام النفيس من هذا العالم الجليل ليؤكد لنا مرارًا وتكرارًا أن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، ووحشة لا يزيلها إلا الأُنس بالله، وحزنًا لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله، وصدق معاملته، وقلقًا لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وهو المتوافق مع فطرة الله - عز وجل - التي فطر الناس عليها.
نسأل الله القدير أن يجعلنا من أهل السعادة في الدنيا والآخرة، من الذين قال فيهم: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ} [هود: 108] .
ويختم هذا المبحث بخلاصة جامعة، تبرز من خلالها: عظمة المقاصد النبيلة التي رمى إليها القرآن العظيم في هدايته، وهي على النحو الآتي [2] :
أولًا: إصلاح العقائد: عن طريق إرشاد الخلق إلى حقائق المبدأ والمعاد وما بينهما.
ثانيًا: إصلاح العبادات: عن طرق إرشاد الخلق إلى ما يزكي النفوس ويغذي الأرواح ويقوم الإرادة.
ثالثًا: إصلاح الأخلاق: عن طريق إرشاد الخلق إلى فضائلها، وتنفيرهم
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، (1/ 17) .
(2) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، (2/ 322 - 323) .