وأما أعداؤه المحاربون له: فالذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم؛ لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر.
وأما المعاهدُون له: فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهد من المحاربين له.
وأما المنافقون: فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم، وأموالهم وأهليهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث، وغيرها.
وأما الأمم النائية عنه: فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض، فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا أخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء لهذا المرض. فإذا لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض».
وهناك كلمات وتراكيب في القرآن تخاطب الناس كافة بلا تقييد بجنس أو زمن أو مكان أو طبقة، مما يوحي بعالمية القرآن، وخلود أحكامه إلى الأبد، ومن هنا نلحظ أن القرآن يستعمل خطاب العموم دون الخصوص [1] ، والإطلاق دون التقييد، وقلما تذكر المخصصات والمحددات والمقيدات؛ كالأمكنة المحددة، أو الأزمنة الخاصة، أو الأشخاص المعينة، وإذا ما وقعت حاجة أثناء البيان القرآني للتخصيص بصفة أو نحوها؛ فإنما ينتفي القرآن منها صفات عامة، خصوصيتها أقل: كالمؤمنين والمتقين والصالحين،
(1) من التراكيب والتعبيرات العالمية، الواسعة الدلالات والمفاهيم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} {يَا بَنِي آَدَمَ} {يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} مما يعم كل فرد من غير فرق، على الرغم من ضيق الدائرة البشرية التي نزل فيها القرآن آنذاك.