أي: فالله يشكرها ، وهذا الوجه نقله بعضهم عن المبرد ، وفيه نظر ؛ من حيث إنهم ، لما أنشدوا البيت المذكور ، نقلوا عن المبرد أنه لا يُجَوَّز حَذْفَ هذه الفاء - ألبتة - لا ضرورة ، ولا غيرها - وينقلون عنه أنه يقول: إنما الرواية فِي هذا البيت: [البسيط]
مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ فَالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ... وردوا عليه بأنه إذا صحَّت روايةٌ ، فلا يقدح فيها غيرُها ، ونقله بعضُهم عن الفراء والكسائي ، وهذا أقرب.
الوجه الثالث: أن الحركة حركة إتباع ؛ وذلك أن الأصل:"لاَ يَضْرُرْكُمْ". بالفك وسكون الثاني جَزْماً ، وسيأتي أنه إذا التقى مِثْلان فِي آخر فعل سكن ثانيهما - جَزْماً ، أو وَقْفاً - فللعرب فيه مذهبان:
الجزم: وهو لغة تميم.
والفك: وهو لغة الحجاز.
لكن لا سبيل إلى الإدغام إلا فِي متحرك ، فاضطررنا إلى تحريك المِثْل الثاني ، فحَرَّكْناه بأقرب الحركات إليه ، وهي الضمة التي على الحرف قبله ، فحرَّكناه بها ، وأدْغمنا ما قبله فيه ، فهو مجزوم تقديراً ، وهذه الحركة - فِي الحقيقة - حركة إتباع ، لا حركة إعراب ، بخلافها فِي الوجهين السابقين ، فإنها حركة إعراب.
واعلم أنه متى أدغم هذا النوع ، فإما أن تكون فاؤُه مضمومةً ، أو مفتوحةً ، أو مكسورةً ، فإن كانت مضمومة - كالآية الكريمة.
وقولهم: مُدَّ - ففيه ثلاثة أوجه حالة الإدغام:
الضم للإتباع ، والفتح للتخفيف ، والكسر على أصل التقاء الساكنين ، فتقول: مُدَّ ومُدُّ ومُدِّ.
وينشدون على ذلك قول الشاعر: [الوافر]
فغُضّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ... فَلاَ كَعْباً بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا
بضم الضاد ، وفتحها ، وكسرها - على ما تقرر - وسيأتي أن الآية قُرِئَ فيها بالأوُجه الثلاثةِ.