وعلى هذه القراءة فالحمار وقد كان بالغ فيه البلى إلى أن فني، فإن العظام من آخر
ما يبقى من الأجسام، فخلقها - جلَّ جلالُه - خلقًا آخرًا، وعلى القراءة التي هي"ننشزها"أي:
بعد الخلق لها نحركها بعضها إلى بعض، واللحم يكسوها، وننشز بعضها إلى بعض
التئامًا واجتماعًا بالقدر إلى المراد منها.
ثم قال جلَّ قوله: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ) يريد عجيب الإبداع، قال:(أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
تنبيه.
وأنه من بلغ أنه يريد الله - جلَّ جلالُه - آياته مشاهدة ومخاطبة لمطلبه بوساطة الملائكة -
صلوات الله وسلامه عليهم - ليس يعزب عليه العلم بأن الله - جلَّ جلالُه - يحيي موتى
الأجسام بعد موتها، ولا يبعد عليه معرفة قدرة الله - جلَّ جلالُه - على خلقها آخرًا كما خلقها
أولاً، وإنما بيَّن له من إبقاء ما بالمعهود بقاءه، بل المعلوم أن يسرع إليه في أدنى مدة
فساده وبلاء ما يبلى.
وقد كان معهودًا أن يكون أوفر حظًّا من صفة الإبقاء بكثير؛ ليجعل من علم
نفسه وطعامه وحماره وشرابه أنه تبارك وتعالى كيف يقصر طول المدة لما يشاء،
ويطول قصرها لما يشاء، ويقضي في قصر المدة ما ليس من العادة أن يقضيه في
أطول الطول، وإنه القادر على تقصير مدة الدنيا حتى تكون للسائر في طريقه خطوة
واحدة، حتى تكون في القصر كطرفة العين، وأن يطول مسافة اليسير حتى لا يقطع
مسافة أبدًا.
كذلك إن شاء - جلَّ جلالُه - أسكن الكثير في القليل، وسجن الواسع والرحب في الضيق
الحرج، وإن شاء جمع الجملة في ذرة من ذرات العالم، وضمن الخليقة كلها في
حبة الخردلة.
وكذلك إن شاء الله - جلَّ جلالُه - أسمع الميت الرميم سر الخطاب، وأفهمه دقيق المعنى
من المراد، ومنعه الحي السوي، بل إن شاء الله - جلَّ جلالُه - ألا يسمعه وقع الصواعق،
ويمنعه سمع سلق الأصوات المفزعة، ويريه حقيقة ما قد كان، ويقضى بما هو كائن
في المستقبل كرأي العين، ويعجزه عن رؤية ما حضره، ويمنعه مشاهدة ما شاهده،
ويقبض البعيد المتناهي حتى يجعله كالشبر، ويبسط الشبر حتى لا يقطع مسافة أبدًا،